السيد كمال الحيدري
434
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
النشاط ، بكلّ ما يؤدّي إليه ذلك من التناقضات وألوان الغزو والصراع الرخيص . ولم يكن البلد الذي نشأ فيه هذا الرسول قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم سوى ما يفرضه الولاء للقبيلة من مواضعات . ولم يكن وضع القوى المنتجة والظروف الاقتصادية في ذلك الجزء من العالم يتميّز عن أكثر بقاع العالم المتخلّف حينذاك . وحتى القراءة والكتابة بوصفها أبسط أشكال الثقافة كانت حالة نادرة نسبياً في تلك البيئة إذ كان المجتمع أمّياً على العموم : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( الجمعة : 2 ) . وكان شخص النبي صلى الله عليه وآله يمثّل الحالة الاعتيادية من هذه الناحية ، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ويكتب ولم يتلقّ أيّ تعليم منظّم أو غير منظّم : وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ( العنكبوت : 48 ) . وهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة وهو دليل حاسم حتى في حقّ من لا يؤمن بربانيّة القرآن ، لأنه على أيّ حال نصّ أعلنه النبي صلى الله عليه وآله على بني قومه وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتاريخه ، فلم يعترض أحد على ما قال ولم يُنكر أحدٌ ما ادّعى . بل نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله لم يساهم قبل البعثة حتى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعر وخطابة ، ولم يؤثَر عنه أيّ تميّز عن أبناء قومه إلا في التزاماته الخُلُقية وأمانته ونزاهته وصدقه وعفّته .